تكشف التقارير العسكرية البريطانية من ١٩١٧–١٩٣٦ كيف قامت بريطانيا بإعادة تصنيف هوية الفلسطينيين، بما في ذلك القبائل الأصيلة مثل الزماعرة في حلحول، ضمن هوية “عربية” عامة. وقد قُدّم هذا التصنيف على أنه ضرورة لربط فلسطين بـ“الحيّز العربي” الذي صنعته بريطانيا في الخليج الفارسي. تُظهر هذه الأرشيفات الاستعمارية أن ثنائية “عرب–يهود” ومشروع “الوطن القومي اليهودي” لم يكونا حقيقة ديموغرافية ولا ضرورة تاريخية، بل أداتين مصنوعتين لسياسة فرّق تسد. بالنسبة للزماعرة، الذين ترتبط سلالتهم مباشرة بالأصول الكنعانية وأرض أرنبة، فإن هذه الهوية المفروضة محَت استمراريتهم القبلية المميزة وحوّلتهم إلى مجرّد تجريد سياسي. - باجس حسّنات أبو مُعَيلق
الملخص
في بدايات القرن العشرين، وتحت الاحتلال العسكري البريطاني لفلسطين، بدأ الإداريون الاستعماريون بتصنيف الفلسطينيين بشكل واسع ضمن هوية “عربية”، مع تعمّد إبراز التناقض بينهم وبين “اليهود”. وقد ربط هذا التصنيف المفروض فلسطين بالهوية العربية، وفي المقابل منح المستوطنين الأوروبيين القادمين صفة “اليهود”، مما أدى إلى دمج السلالات القبلية والأصيلة في بناء استعماري واحد. وقد جرى تعزيز هذا التناقض لاحقًا عبر الدول المحمية بريطانيًا في الخليج الفارسي، ولا يزال قائمًا اليوم في سياسات مجلس التعاون الخليجي، وفي اللغة الدبلوماسية الغربية، وفي الرواية الصهيونية التابعة لدولة الاحتلال الإسرائيلي. إذ تعيد دول الخليج إنتاج رواية “العرب الإسماعيليين” وتقدّم الفلسطينيين باعتبارهم أعضاء صغارًا في أمة عربية واحدة، كما تكرر الحكومات الغربية الإطار ذاته، وتستخدم دولة الاحتلال هذه الرواية لوصف البدو الأصليين في النقب والأغوار والضفة الغربية بأنهم “عرب رحّل”، للإيحاء بأن موطنهم الحقيقي في شبه الجزيرة العربية. ومنذ نشأتها الاستعمارية إلى إعادة تدويرها الحديث، تواصل هذه التصنيفات الخاطئة محو الهوية الأصيلة في الأرض المقدسة وإنكار الاعتراف بالفلسطينيين كشعب أصيل في الأرض التي سكنوها لأكثر من خمسة آلاف عام.
البناء الاستعماري للثنائية العربية اليهودية
يسلط هذا التقرير الضوء على قبيلة الزمَاعِرة في حلحول بوصفها مثالًا واضحًا ومسمى للتراث الأصيل في مرتفعات الخليل في فلسطين، ويستخدم أصلها لفضح التصنيف المضلل الذي يجمع الفلسطينيين تحت هوية “عربية إسماعيلية” عامة. ويتتبع التقرير مسار التلاعب بالنصوص الدينية الذي استخدمته بريطانيا كأداة إمبراطورية لدعم مشروع “الوطن القومي اليهودي” الذي تجسد لاحقًا في دولة الاحتلال الإسرائيلي، مرورًا بالمعلومات المضللة التي روّجتها دول الخليج الفارسي، قبل الانتقال إلى دراسة أنثروبولوجيا قبيلة الزمَاعِرة. ويتناول التقرير الأصول الكنعانية للقبيلة، واستقرارها التاريخي في أرنابة في الجزء الغربي من حلحول، واستمرار وجودها حتى يومنا هذا دون انقطاع.
السلالات الكنعانية الأصيلة مقابل الهوية العربية المفروضة
بالاعتماد على مشاريع الأنساب الفلسطينية المحلية، وعلى الأبحاث الأثرية والجينية حول الكنعانيين في العصر البرونزي وسكان المشرق المعاصرين، يجادل التقرير بأن القبائل مثل الزمَاعِرة وقبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق والبراهمية ليست “مستوطنين عربًا متأخرين” في فلسطين، بل هي امتدادات حية لسلالات كنعانية أصلية. وعلى مر الزمن، اعتمدت هذه القبائل اللغة العربية كلغتها الأساسية، واعتنقت اليهودية ثم المسيحية ثم الإسلام، مع حفاظها الدائم على هويتها السلالية، بما في ذلك الأسماء والأراضي والقوانين الداخلية والتقاليد. ويخلص التقرير إلى أن أي إطار يسعى إلى محو هوية فلسطين، سواء عبر الروايات الاستعمارية البريطانية أو الأوروبية أو الأمريكية أو المسيحية، أو عبر الأجندات الصهيونية، أو عبر الروايات المصطنعة لدول مجلس التعاون الخليجي، إنما يشكل شكلًا من أشكال التلاعب بالنصوص التوراتية لإعادة صياغة الأنساب وتحويلها إلى أدوات سياسية. ويؤدي هذا التلاعب في النهاية إلى انتهاك حقوق القبائل الفلسطينية وتجريدها من أرضها ومن صفتها الأصيلة ومن حقها في الهوية وفي التمثيل الذاتي.
المقدمة والهدف
تبدأ اللقطات باللحظات الأخيرة والمؤلمة للشهيد محمد زياد أبو طه، الذي تم توثيق وفاته بالكاميرا قبل استشهاده مباشرة. مات وهو يسجّل الحقيقة التي رفض العالم رؤيتها. الصوت في هذا البيان هو صوت محمود زكي العمودي، الذي انتشرت كلماته عبر الإنترنت. نُعيد نشرها هنا من منطلق شعبيّ وأخلاقي كفعل من ضمير جماعي وشهادة إنسانية.
في بلاد الشام اليوم، يُصنَّف سكان سوريا ولبنان والأردن وفلسطين رسميًا بأنهم “عرب”، وكأن اللغة وحدها كافية لتعريف الهوية. ويحمل هذا التصنيف غالبًا ادعاءً دينيًا نسبويًا قديمًا بأن “العرب” هم أبناء إبراهيم عبر ابنه إسماعيل، وبالتالي ينحدرون من أصل إسماعيلي واحد. وضمن هذا الإطار، يُعامل الفلسطينيون وسكان بلاد الشام كفرع آخر من هذه السلالة، لا يختلفون عن سكان شبه الجزيرة العربية. وبحلول عام ٢٠٢٥، أصبح تأثير هذا التصنيف على الفلسطينيين الأصليين الذين يعيشون تحت احتلال عسكري دام سبعة وسبعين عامًا يتمثل في الإبادة الجماعية والإبادة الثقافية. وفي الوقت نفسه، تقدم الدول المسيحية والإسلامية الأجنبية، إلى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي، نفسها بوصفها الممثل الطبيعي لشعب لم تسكن أرضه في أي وقت من التاريخ.
الأدلة الوثائقية على سياسات إعادة التصنيف البريطانية
تكشف التقارير العسكرية البريطانية خلال الفترة الممتدة بين ١٩١٧ و١٩٣٦ كيف قامت بريطانيا بشكل متعمّد بإعادة تصنيف هوية الفلسطينيين، بما في ذلك القبائل الأصيلة مثل قبيلة الزمَاعِرة في حلحول، ضمن هوية “عربية” عامة ومجردة. وقد قدم هذا التغيير باعتباره ضرورة لربط فلسطين بما سُمّي بـ “المجال العربي” الذي صاغته بريطانيا بنفسها في الخليج الفارسي. وتُظهر هذه السجلات أن الثنائية المصطنعة عرب ويهود ومشروع “الوطن القومي اليهودي” لم تكن حقيقة ديموغرافية ولا ضرورة تاريخية، بل كانت أداة مصنّعة عمدًا لسياسة فرق تسد. بالنسبة لقبيلة الزمَاعِرة التي يرتبط نسبها مباشرة بالأصل الكنعاني وأرض أرنابة، فقد أدت هذه الهوية المفروضة إلى محو خصوصيتها القبلية وإلى تحويلها إلى مجرد تجريد سياسي. - باجس حسّنات أبو مُعَيلِق
الصياغة البريطانية لفئة العرب
إن رواية إسماعيل معروفة جيدًا. ففي التقاليد الإسلامية، وفي التقاليد اليهودية والمسيحية، يُقدَّم إسماعيل بوصفه سلفًا لعدد من القبائل العربية الشمالية. وقد ربط النسّابون المسلمون الكلاسيكيون نسب النبي مُحمّد بإسماعيل عبر قيدار والقبائل العربية الشمالية، ثم توسّعت الأدبيات التعبدية لاحقًا لتعميم الفكرة بأن “العرب” جميعًا ينحدرون من إسماعيل. وهذه الأنساب ذات معنى ديني داخل تلك التقاليد، لكنها من منظور الديموغرافيا التاريخية وعلم الوراثة السكانية مجرد أطر رمزية وليست أشجار نسب قابلة للتحقق العلمي. ويؤكد البحث العلمي الحديث أن “العرب” هو تصنيف لغوي وثقافي بالدرجة الأولى، وأن ناطقي العربية ينتمون إلى خلفيات جينية متعددة لا تعود إلى سلالة موحدة واحدة.
إساءة استخدام اللغة كأنساب
ولسكان غرب الأردن، ولبنان بأكمله، والسكان الجنوبيين والساحليين في سوريا، فالمشكلة لا تكمن في أنهم يتحدثون العربية أو أنهم يشاركون المنطقة تراثًا إسلاميًا ومسيحيًا. المشكلة تظهر عندما تتحول اللغة بصمت وبطريقة مضللة إلى نسب، وعندما يتحول هذا النسب إلى ادعاء بالملكية والتمثيل. فعندما تتحدث دول الخليج الفارسي أو الخطاب الدبلوماسي الغربي عن “أمة عربية واحدة من المتوسط إلى الخليج”، يصبح المشرق جزءًا من سردية تعيد أصل سكانه النهائي إلى شبه الجزيرة العربية بدلًا من كنعان. وهذا يؤدي إلى فقدان الهوية، وإسكات صوتهم بصفتهم أممًا ذات سيادة، ويسمح بالاستيلاء على الأرض عبر تمثيل زائف. وهو يغذي الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، ويغذي الفظائع التي تحدث اليوم في لبنان وسوريا ضدهم. أما بالنسبة للفلسطينيين على وجه الخصوص، فإن وطنهم يُعاد تصويره وكأنه نتاج استحواذ إسماعيلي متأخر، بدلًا من كونه الوطن الكنعاني المتصل بلا انقطاع الذي نشأت فيه المجتمعات الكنعانية قبل أن تعتمد اللغة العربية لاحقًا. ومثل جميع أمم العالم اليوم، فإن لهم الحق الكامل والطبيعي في التمثيل الذاتي والاستقلال والسيادة.
ويجب فهم سياسات هذا التصنيف عبر دراسة تاريخ تشكّل الدول حول الخليج الفارسي. فهذه الأقاليم أمضت القرن التاسع عشر والقرن العشرين كإمارات قبلية محمية بريطانيًا. وقد اكتسبت القبائل الحاكمة فيها قوتها من التمويل البريطاني، وضماناتها العسكرية، وشبكات معاهداتها الخارجية التي ثبتتها في مواقعها. وهذا الهيكل الاستعماري هو ما سمح لها لاحقًا بالحديث باسم ما يسمى “الأمة العربية”، وهي الأمة التي يقومون اليوم بتحديد أنسابها والتحكم فيها.
ومن منظور فلسطيني، فإن ذلك ينتج خللًا عميقًا في توازن القوة. إذ إن مجموعة من قبائل الخليج الفارسي التي جرت ترقيتها إلى دولة عبر الهندسة الإمبريالية البريطانية، أصبحت تمثل فلسطين في المحافل “العربية” والإسلامية، بينما تقدم الفلسطينيين كأنهم أعضاء صغار في نسب تتحكم فيه تلك القبائل. ويشبه هذا الادعاء السخيف القائل إن الفلبينيين “إنجليز” فقط لأنهم يتحدثون الإنجليزية نتيجة الاستعمار الأمريكي. فلا أحد يزعم أن لندن أو واشنطن تتحدث باسم مانيلا، ولكن الرياض والدوحة وأبوظبي يقدّمون أنفسهم باستمرار كإخوة كبار يتحدثون باسم الفلسطينيين.
وتقوّض الأنساب التوراتية نفسها هذا التصنيف. ففي سفر التكوين وسفر أخبار الأيام، يُذكر أن كنعان هو ابن حام وأبو الكنعانيين، بما في ذلك الزماريم، الذين يُعدّون أسلاف قبيلة الزمَاعِرة في حلحول. أما إسماعيل ابن إبراهيم، فهو أبو اتحادات قبلية صحراوية مرتبطة بشمال غرب الجزيرة العربية. وفي النص التوراتي، يدخل إبراهيم إلى كنعان بصفته مهاجرًا. وكانت كنعان مأهولة بالفعل، وكان الممر الجنوبي في ذلك الزمن يُعرف باسم فلسطين. ولذلك فإن إعادة تصنيف الفلسطينيين الأصليين كإسماعيليين ليست تعبيرًا عن تقوى أو احترام للنصوص الدينية، بل هي عملية إعادة كتابة تقلب الضيف إلى صاحب البيت.
وفي هذا السياق البرهاني، تمثل قبيلة الزمَاعِرة في حلحول حالة اختبار واضحة. إذ تؤكد السجلات المحلية للأنساب أنهم ينحدرون من الجد الكنعاني زَمْعَر، مما يربطهم بالزماريم، ويضعهم في حي محدد ومسمى داخل مدينة مرتفعة معينة. وهذا دليل واضح وحده يكشف زيف الادعاء الذي يدمج جميع الفلسطينيين ضمن فئة إسماعيلية عامة.
وفي زمن يخضع فيه الفلسطينيون لسيطرة كاملة من احتلال عسكري إجرامي، يصبح الصراع من أجل الهوية الأصيلة في فلسطين المحتلة أمرًا بالغ الأهمية. فإذا جرى إعادة تصويرهم كعرب إسماعيليين موطنهم “الحقيقي” في شبه الجزيرة العربية، وتعرض تمثيلهم الذاتي وسيادتهم في وطنهم للتقويض، تصبح مطالبتهم بالصفة الأصيلة هشة، مما يفتح الباب أمام محوهم ويعرض وجودهم نفسه لخطر الإبادة من قبل من يسعون لاستغلال الوضع.
الآلية ذات الثلاث خطوات المستخدمة ضد البدو الأصليين في فلسطين
١. تصنيفهم كعرب رحّل
٢. إنكار صفتهم الأصيلة
٣. تبرير نزع ملكيتهم
وهذا التهديد المعتمد على التلاعب بالأنساب يُفرض اليوم على جميع الفلسطينيين، وليس فقط على القبائل الأصيلة.
من كنعان إلى إسماعيل في السرديات الإمبراطورية وسرديات دول الخليج الفارسي
يمكن للشعوب أن تغيّر لغاتها دون أن تغيّر أصولها. ففي أيرلندا، تحدث الأيرلنديون لغتهم الأيرلندية التي تُسمّى أيضًا الغيلية طوال معظم تاريخهم. وظلت هذه اللغة هي السائدة لقرون طويلة، ولم تصبح الإنجليزية اللغة الغالبة إلا تحت الاحتلال البريطاني، والضغط القانوني، والإكراه الاقتصادي. ومع ذلك، لا يزعم أحد أن هذا التحول اللغوي محا الشعب الأيرلندي الأصلي أو حوّله إلى أنجلوسكسونيين. وفي فلسطين، جرى استغلال التحول المشابه من اللغات الكنعانية القديمة إلى العربية لتحويله إلى ادعاء نسبي. وبسبب أن الفلسطينيين يتحدثون العربية، يجري تقديمهم وتمثيلهم خطأً في الدبلوماسية الدولية على أنهم “عرب إسماعيليون” جذورهم في الحجاز ونجد، وليسوا من سكان جبال القدس وسهل غزة والنقب وبقية فلسطين المحتلة.
سوء التصنيف التوراتي كأداة سياسية
في النص التوراتي، إسماعيل هو ابن إبراهيم، ويرتبط لاحقًا باتحادات قبلية عربية صحراوية. والنص لا يقول في أي موضع إن الكنعانيين ينحدرون من إبراهيم، بل يضعهم ضمن طبقة أقدم من سكان الإقليم. وعندما تقوم دول مجلس التعاون الخليجي والرواية الصهيونية التابعة لدولة الاحتلال بمحو هذا الفرق وتزعم أن الناطقين بالعربية في فلسطين هم “أبناء إبراهيم عبر إسماعيل”، فإنهم يكذبون بوضوح ويزورون النصوص لخدمة مصالحهم؛ إنهم يعيدون كتابة الروايات التوراتية لخدمة خريطة سياسية تتدفق فيها السلطة والمال نحوهم.
إعادة صياغة الأنساب على الطريقة الاستعمارية
ومن المهم أن يُفهم هذا بوصفه إحياءً لسردية تظهر في التوراة العبرية وخصوصًا في صيغها الأخيرة، حيث جرى إدخال الكنعانيين في دائرة أقارب إبراهيم على الورق لتنظيم الحدود والواجبات. فموآب وعمون يُقدَّمان كأبناء للوط ابن أخ إبراهيم في سفر التكوين الفصل التاسع عشر الآيتين ستة وثلاثين إلى ثمانية وثلاثين. والأدوميون بوصفهم أبناء عيسو حفيد إبراهيم في سفر التكوين الفصل السادس والثلاثين. وتظهر الأساليب ذاتها في أنساب البلاطات المتأخرة في العصور القديمة والقرون الوسطى لإضفاء الشرعية على التحالفات الإقليمية. ومن أبرز الأمثلة تديين قبيلة لخم في السجلات الشرقية، بينما تُمحى لخم الكنعانية الغربية المسجلة كسكان أصليين في الممر الجنوبي من أرض كنعان. وفي جميع الحالات، تستعمل السلطة الروابط النسبية لإعطاء المرور والرتبة والجزية والحقوق. وتكرر الدول الحديثة هذا النمط. ففي ظل الاحتلال البريطاني ولاحقًا في السرديات الصهيونية وسرديات مجلس التعاون الخليجي، جرى إعادة تصنيف الفلسطينيين على أنهم “إسماعيليون” تمامًا كما جرى تصوير الأدوميين بأنهم “أبناء عيسو”، وهو تحرك بلاغي يزعم أنه يحدد السيادة من خلال إعادة كتابة الخطوط العائلية. وعندما تقوم أنظمة مجلس التعاون الخليجي اليوم ودولة الاحتلال بطمس خط كنعان وإسماعيل، وتزعم أن الناطقين بالعربية في فلسطين هم “أبناء إبراهيم عبر إسماعيل”، فإن ذلك ليس تقوى، بل هو تعديل سياسي وتشويه توراتي يستعمل النصوص لإخفاء السلطة وتحويل التحول اللغوي إلى فقدان الحق الأصيل في الأرض. وهذه ليست أنسابًا محايدة، بل هي تقنية نسبية إدارية، وليست شجرة نسب طبيعية. إنها تتيح للسلطات أن تتحدث عن حقوق المرور والقربى والجزية والتسامح بلغة الأسرة. وفي هذا المنظور، تصبح “شجرة العائلة الإبراهيمية” نصًا إداريًا للحكم وليست دليلًا على الحمض النووي.
المحميات البريطانية وصناعة الهوية العربية
تاريخيًا، أنشأت الإمبراطورية البريطانية حزامًا من المحميات في الخليج الفارسي، وهي الإمارات المتصالحة التي أصبحت اليوم الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى الكويت وقطر والبحرين وغيرها. وجاءت شرعية هذه الكيانات من التحالف مع قبائل مرتبطة ببريطانيا والتي رُسّخت سلطتها عبر دعم مالي وعسكري، ثم بُنيت هويتها القومية اللاحقة على أنساب مصاغة بعناية تربطها بسردية إسماعيلية توراتية. وقد بقيت هذه المحميات تحت وصاية رسمية أو غير رسمية لبريطانيا من القرن التاسع عشر حتى الانسحاب البريطاني عام ١٩٧١، وكانت لندن تدير سياستها الخارجية وتضبط معاهداتها وتشكّل صورتها بوصفها حامية “العروبة الحقيقية” في المنطقة.
فرض النسب المصطنع من قبل دول الخليج
وعندما تتحدث هذه الدول نفسها في المنتديات الدولية، فإنها توسّع هذا السلم الهرمي المصنوع للأنساب ليشمل الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين والأردنيين، وتتعامل معهم كأقارب أصغر في عائلة تزعم أنها تملكها. ويُعاد تصنيف المشرق على أنه “الإخوة العرب” الذين يُفترض أن أصلهم قائم على نسب إسماعيلي مشترك، بدلًا من كونهم قبائل كنعانية أصيلة تملك أنسابًا وسيادة خاصة بها.
وقد نشأت الدولة الخليجية الحديثة وسرديتها الإسماعيلية المشتركة من تفاعل بين الاستراتيجية الإمبريالية البريطانية والقبائل المحلية التي موّلتها وسلّحتها بريطانيا. وأصبحت هذه السردية تُدرّس في المدارس في المشرق وشمال أفريقيا، ورسّختها الهيئات التعليمية الإقليمية، وأكّدت بقوة على الوحدة العربية والشرعية الإسلامية كأساس للسيادة.
وللقبائل مثل الزمَاعِرة في حلحول، وقبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق في بئر السبع، والبراهمية في تل الصافي، فإن هذا الإطار ليس مجرد نظرية بعيدة. إنه يمزق مطالبتهم بالأرض بوصفهم أحفادًا كنعانيين، ويستبدلها بسردية تجعلهم زائرين متأخرين إلى مسرح بناه غيرهم. وفي لغة الجامعة العربية ودبلوماسية مجلس التعاون الخليجي، تصبح فلسطين ملفًا داخل خزانة تُدار من الخليج، ويتحول أهل البلاد إلى تابعين. وعندما يقاوم الفلسطينيون ذلك، يُقال لهم إن “الوحدة العربية” تقتضي أن ينسوا أنسابهم وهويتهم، وأن يرضخوا لوصاية دول لم تكن يومًا كيانات تاريخية أصيلة على أرضها بل مفاوضات بريطانية عبر محميات.
وترفض منصة قبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق هذا النسب المفروض، وتعود إلى الممر نفسه، ممر بئر السبع وغزة والخليل، بوصفه الأرشيف الأول للهوية لعائلاتنا. وفي هذا الأرشيف، ليست كنعان إهانة. كنعان هي الجد. والقبائل الفلسطينية الأصيلة وبيوتها تحمل ذاكرة وأسماء تعود إلى طبقات أقدم من السكان الذين شكّلوا الأرض قبل ولادة إبراهيم بزمن طويل، وقبل أن تُخترع أي “أمة عربية”. وبهذا المنظور يجب فهم قبيلة الزمَاعِرة، بوصفها مثالًا مسمى لقبيلة كنعانية في مرتفعات الخليل، لا بوصفها شذرات مجهولة في بحر عربي افتراضي.
قبيلة الزمَاعِرة في حلحول
أرنبة، الحيّ الغربي من حلحول، تُعدّ القلبَ لقبيلة الزمَاعرة. بيوتها الحجرية، كرومها المدرّجة، وقبور عائلاتها تجسّد قروناً من الاستمرارية الأصيلة، وتُرسّخ نسب القبيلة الكنعاني في مرتفعات الخليل.
تُعدّ حلحول أعلى منطقة مأهولة في كامل فلسطين، حيث ترتفع بين تسعمائة وستة عشر مترًا وألف وثلاثين مترًا فوق مستوى سطح البحر على السفوح وقمة جبل النبي يونس. ومن هذا الارتفاع، تُشرف البلدة غربًا على سهل البحر الأبيض المتوسط وشرقًا على الحافة المركزية، وكانت تاريخيًا تتحكم بالطرق الاستراتيجية التي تربط الخليل بالقدس وبالشرايين الرئيسية الشمالية الجنوبية للمرتفعات. وتغطي سفوحها المدرّجة مزارع العنب والزيتون والتين والخضروات، مما يشكل مشهدًا زراعيًا استمر عبر القرون ويربط الهويات القبلية بالأرض ارتباطًا عضويًا.
الجغرافيا والاستيطان الجبلي
ضمن هذا الامتداد الجغرافي التاريخي، تتركز قبيلة الزمَاعِرة في الجانب الغربي من حلحول في الحي المعروف باسم أرنابة. وتصف السرديات المجتمعية أرنابة بشكل متواصل باعتبارها قلب القبيلة الأصلي، المنحدر الذي تقف عليه بيوتهم القديمة، حيث تتجمع القبور، وتقُام الأعراس والجنائز، وحيث تحمل القطع الأرضية في سجلات العهد العثماني وسجلات الانتداب أسماء أجدادهم. والخريطة الداخلية المحفوظة في ذاكرة القبيلة تقوم على هذه الأحياء، وتأتي أرنابة في مقدمتها دائمًا.
أرنابة الحي القبلي
يعكس هذا المنحدر الغربي لجبل النبي يونس جغرافيا معيشة فعلية، تتكون من مجموعة من البيوت الحجرية والكروم والسطوح الزراعية والخزانات المائية التي تشكل البنية المادية لحياة القبيلة. وتُجسّد الطبوغرافيا إرثًا من آلاف السنين من الهندسة الزراعية، بما في ذلك أنظمة المدرجات الزراعية، وخزانات جمع مياه الأمطار، وتقسيمات الملكية القديمة التي تعكس أنماط الاستيطان الكنعاني الجبلي الموثقة في جنوب بلاد الشام. ويقع حي الزمَاعِرة مباشرة فوق الحزام الزراعي القديم الذي غذّى البلدة عبر أجيال، وهذا الثبات الطبوغرافي هو الذي يميّز استمرارية القبيلة الأصيلة في المكان.
السجلات التاريخية من العهد العثماني إلى الاحتلال البريطاني
تظهر حلحول في النصوص التوراتية كإحدى بلدات الجبال، وتعود للظهور في مصادر لاحقة كموقع أدومي محصّن، ثم كقرية جبلية بقيت حقولها وكرومها مزروعة باستمرار. ومن منظور منصة قبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق، فالمقصود ليس الادعاء بأن قبيلة الزمَاعِرة شيدت حصون العصر الحديدي، بل الإشارة إلى أن المكان الذي يسكنونه هو جزء من مشهد مستقر منذ زمن طويل، حيث تركت عائلات القبيلة الزراعية مدرجات وخزانات ومقامات على مدى آلاف السنين. وإن تموضع القبيلة في السفح الغربي حقيقة استمرارية، ونمط إقامة يتصل بين السجلات العقارية القديمة والبيانات السكانية الحديثة.
الأدلة العقارية من العهدين العثماني والبريطاني
تظهر ملكية الأراضي في حلحول في كل من السجلات العثمانية وسجلات الانتداب البريطاني. ففي تعداد عام ١٥٩٦ العثماني، تظهر حلحول كقرية فيها اثنتان وتسعون أسرة تدفع الضرائب على القمح والشعير والكروم وأشجار الفاكهة والماشية. وبحلول عام ١٩٤٥، في ظل الاحتلال البريطاني، بلغ عدد سكانها ثلاثة آلاف وثلاثمائة وثمانين نسمة يملكون مجتمعين سبعة وثلاثين ألفًا وثلاثمائة وأربعة وثلاثين دونمًا من الأرض، بما في ذلك مساحات واسعة من البساتين والأراضي المروية وحقول الحبوب. وتنسجم حجج الملكية العثمانية الخاصة بالزمَاعِرة تمامًا مع هذا الإطار العقاري، حيث تربط قطع أرنابة برؤساء العائلات المدوّنة في تلك السجلات.
الاستمرارية القبلية والشتات
وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ارتفع عدد سكان حلحول من خمسة عشر ألفًا وستمائة واثنين وثمانين نسمة عام ١٩٩٧ إلى اثنين وعشرين ألفًا ومائة وثمانية وعشرين عام ٢٠٠٧، ثم إلى سبعة وعشرين ألفًا وواحد وثلاثين نسمة في تعداد عام ٢٠١٧. وتحافظ البلدة على نمط سكاني يهيمن عليه الشباب، مع نسبة كبيرة من الأطفال والمراهقين، وتستمر نسبة ملموسة من الأسر بالاعتماد على زراعة العنب والخضروات كجزء من مصادر الدخل. وتضع هذه الأرقام حلحول ضمن أكبر البلديات الريفية في جنوب الضفة الغربية. وتُظهر هذه البيانات أيضًا أن عدد أبناء قبيلة الزمَاعِرة داخل حلحول لا يتجاوز ثلاثة آلاف وخمسمائة، بينما يوجد ألف وخمسمائة خارجها، مما يشير إلى وجود تهديد ديموغرافي لاستمرارهم على أرضهم الأصلية، وإلى نشوء شتات. وفي عام ٢٠١٣، أكدت جلسة مصالحة قبلية في الأردن هوية المشاركين باعتبارهم “قبيلة الزمَاعِرة من حلحول”، مما يثبت وجودًا قبليًا منظمًا خارج فلسطين واستمرار الروابط النسبية بأرنابة.
البنية القبلية في حلحول
ضمن السكان البلديين في حلحول، تشكل أربع قبائل تاريخية البنية الأصلية للبلدة وهي السعادة والكرجة والزمَاعِرة والعودة. وقد شكّلت هذه القبائل الهيكل الاجتماعي التقليدي للبلدة قبل وصول عائلات اللاجئين في عام ١٩٤٨ وعام ١٩٦٧، ولا تزال تواصل تشكيل الجغرافيا الداخلية وأنماط ملكية الأرض والقيادة المحلية.
مجزرة عام ١٨٥٠ وإعادة تشكيل القبيلة
يظهر حي أرنابة نفسه في السرديات المجتمعية بوصفه فضاءً معاشًا. ويصفه كبار السن بأنه منطقة تضم بيوتًا حجرية وكرومًا وزيتونًا، حيث تتقارب بيوت الزمَاعِرة الرئيسة ضمن مسافة مشي قصيرة. وتحفظ الذاكرة الشفوية تفاصيل الزيجات بين هذه البيوت، ومواسم الحصاد على المدرجات المحيطة، وحوادث الصراع التي استهدف فيها الحي بسبب ارتباطه بالقبيلة. وتحتفظ القبيلة بذكرى حادثة عنف داخلي فلسطيني في القرن التاسع عشر. وتروي السجلات المجتمعية أنه في عام ١٨٥٠، ارتكبت عائلة العملة مذبحة كبيرة ضد سكان حلحول، وكان فرع أبو دِيّة من الزمَاعِرة من بين أبرز الناجين. وتصف الروايات أبو دِيّة بأنه أقدم فروع الزمَاعِرة، وبأنه “الفرع الذي نجا من المذبحة” والذي شكّل لاحقًا نواة لإعادة تكوين القبيلة. وتشير المصادر نفسها إلى أن عدة عائلات من الزمَاعِرة غادرت حلحول بعد المذبحة. ورغم الحاجة إلى توثيق أرشيفي مستقل لهذا الحدث، إلا أن القصة تلعب دورًا تفسيرياً داخل القبيلة، حيث تفسر بروز بعض البيوت وانتقال بعضها الآخر إلى مناطق قريبة وما بعدها.
شهداء الزمَاعِرة
سقط أبناء القبيلة أيضًا في سياق المواجهات مع المحتل الصهيوني الإجرامي. وتشهد سجلات الشهداء على الحضور المستمر للزمَاعِرة ودفاعهم عن أرنابة. ومن بين شهداء القبيلة سلمان حسين زمَاعِرة عام ١٩٩٥ ومحمد يونس زمَاعِرة عام ٢٠٠٠ ونائل علي زمَاعِرة عام ٢٠٠٠ وحمزة يوسف زمَاعِرة عام ٢٠١٨ وحمدي شاكر أبو دِيّة الزمَاعِرة عام ٢٠٢٣. ويظهر كل واحد منهم في التقارير الإخبارية والجنازات المجتمعية باسم العائلة الصريح، مما يعزز حضور القبيلة الدائم في الحي الغربي من حلحول.
وتكتسب هذه الجذور المكانية أهمية خاصة عند مواجهة السردية التي تزعم أن الفلسطينيين “مهاجرون عرب” من شبه الجزيرة العربية. فالسجلات العقارية لحلحول تظهر استمرارية الزراعة، والسجلات القبلية تظهر استمرارية الإقامة العائلية، ومشاريع الأنساب تثبت أن الزمَاعِرة واحدة من أقدم القبائل في البلدة وفي فلسطين ككل، والمجتمع نفسه يضعهم في الحي ذاته عبر أجيال متعاقبة. وهذه هي صورة الاستمرارية الأصيلة على الأرض، وليست أسطورة مستوطن أوروبي تائه اكتشف فجأة نسبًا “يهوديًا” وعاد ليطالب بفلسطين. أين كانوا في الألفي سنة الماضية؟ ولماذا لم يسمع أحد بهم؟ تلك هي الأسطورة. أما هنا، فلدينا نمط من الأسماء والأماكن استمر رغم تغير الأنظمة والحدود والتصنيفات. وعندما تتحدث دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها كما لو أن الفلسطينيين ضيوف إسماعيليون طارئون على أرض حددها الآخرون، فإن وجود قبائل مثل الزمَاعِرة في أرنابة يكشف هذا الخطاب على حقيقته، بوصفه كذبًا وليس وصفًا تاريخيًا.
النسب من زمعر
داخل تقاليدهم الخاصة، تتتبع قبيلة الزمَاعِرة، إلى جانب المدونات النَّسَبية العلنية التي توثّق قبائل حلحول، نسبها إلى الجد الكنعاني زمعر، وأنهم أقدم قبيلة في حلحول، وأن القبيلة عبر الزمن أعادت تنظيم نفسها في عدة بيوت رئيسية. وتشرح القبيلة في توصيفها الذاتي أن أبناء زمعر كانوا يُعرفون باسم بني زمعر، وأن هذا الاسم تحوّل مع الزمن وفي العربية المحكية إلى الزمَاعِرة. وبمعنى آخر، فإن النسبة تحافظ على الهيكل الصامت لحروف اسم الجد الأصلي. ويأتي الاشتقاق من داخل المجتمع نفسه، وليس من مشروع قومي رومانسي لاحق، فهو الطريقة التي فسّرت بها القبيلة نفسها لأبنائها عبر الأجيال.
تماسك الذاكرة القبلية الداخلية
إن هذا الاتساق الداخلي عبر بيوت متعددة وفروع مختلفة هو سمة من سمات الأنساب الأصيلة للشعوب الأصلية، حيث تميل هذه الأنساب إلى الحفاظ على الجذور الصامتة والبنى الأبوية حتى مع تغيّر اللغات عبر آلاف السنين. النسب، في هذا السياق، ليس شجرة زينة معلقة على جدار، بل الإطار القانوني والأخلاقي الرئيس للالتزامات، وقواعد الزواج، ووراثة الأرض، وتسوية النزاعات.
البيوت القبلية الرئيسة
إن البنية الداخلية لقبيلة الزمَاعِرة مبنية على مجموعة من الفروع العائلية الرئيسة. وعبر هذه المصادر، تتكرر خمسة أسماء بوصفها البيوت الرئيسة:
أبو دِيّة
واوي
أبو يوسف
أبو دنحش
عناني
وكل واحد من هذه البيوت يضم عدة عائلات نووية، إلا أن أسماءها تعمل كهويات متوسطة داخل البنية الأكبر لقبيلة الزمَاعِرة. عمليًا، عندما يتحدث شخص من حلحول عن “عائلة الواوي”، فهو يحدد موقع ذلك الشخص داخل نقطة معينة من القبيلة، وينطبق الأمر نفسه على البيوت الأخرى. ويحمل بيت أبو دِيّة، بوصفه أقدم بيت معروف، وزنًا رمزيًا خاصًا، لأن نجاته خلال مذبحة القرن التاسع عشر تُقدَّم باعتبارها اللحظة التي “اجتازت فيها القبيلة النار” واستمرت.
الوحدات العائلية الثانوية
إلى جانب هذه البيوت الرئيسة، يشمل التقسيم الداخلي لقبيلة الزمَاعِرة تسع عشرة وحدة عائلية على الأقل. وهي:
عرجا، أبو زلطة، بابا، عاصي، سلمان، سالم واوي، عرمان، عقيل، عوض، عياش، مَضِيّة، نعمان، حجازي (ويُلقّب “سحو”), أبو أصوي، أبو لسان، ومتسكل.
وتظهر هذه الأسماء في حجج ملكية عثمانية وسجلات بلدية وأشجار نسب وقوائم شهداء، ما يوفر ركائز نَسَبِيّة ملموسة عبر الأجيال.
النسب كبنية قانونية للسكان الأصليين
لغايات القانون الخاص بالشعوب الأصلية، ما يهم هو أن الزمَاعِرة ما يزالون هوية حيّة وفعالة. فالقبيلة تنظّم نفسها عبر هذه البيوت، وتجمع الأموال للمبادرات الجماعية باسم القبيلة، وتُعبّئ شبابها لمشاريع مثل تنظيف المقابر والأعمال الخيرية المحلية التي تُعرّف نفسها صراحة بأنها “عمل قبيلة الزمَاعِرة”. وهذا النشاط الاجتماعي المعاصر يرسّخ الدعوى النَّسَبِيّة في الممارسة اليومية. فالاسم الجدّي الذي يكون أسطوريًا خالصًا لا يمكن أن يشكّل إطارًا للعمل الجماعي في القرن الحادي والعشرين؛ بينما هنا، العكس تمامًا. فالاسم نفسه المرتبط بالجد الكنعاني وبوثيقة عثمانية هو ذاته الراية التي تنظم تحتها العائلات أعمالها المجتمعية اليوم.
الأدلة العلمية على الاستمرارية الكنعانية
أنماط الأسماء الكنعانية
إن الادعاء بأن زمعر هو جدّ كنعاني ليس مجرد رغبة تقوية تُقال في الفراغ. فالنمط الصامت ز–م–ر يظهر في جدول الأمم في النص التوراتي وفي مصادر خارج التوراة بوصفه اسمًا إثنيًا كنعانيًا. فـ “الزِماريون” (صِماريِم) مذكورون ضمن نسل كنعان، كما تظهر مدينة ساحلية تُعرف باسم سِميرا أو سُمور في النصوص المصرية والأكادية بوصفها مدينة كنعانية على ساحل كنعان. والتقاطع بين زمعر وهذه الصيغ الأقدم هو صدى أونوماتيكي قوي يضع جدّ القبيلة داخل حقل أسماء كنعاني واضح المعالم.
الآثار وجغرافيا الاستيطان
ويعزز العمل الموازي على قبائل كنعانية أصلية أخرى في فلسطين هذه المنهجية. فعلى سبيل المثال، تُظهر السجلات التفصيلية للأرض والأنساب في بيت نتّيف في سفوح القدس كيف تحفظ أسماء القبائل، وأسماء الحقول، والأسماء المكانية طبقات زمنية عميقة تعود إلى فترات ما قبل الرومان وما قبل بني إسرائيل. وتستخدم منصة قبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق المنهج نفسه في ممر بئر السبع وغزة والخليل. وتُعامَل أسماء القبائل مثل حسّنات أبو مُعَيلِق والبراهمية والزمَاعِرة بوصفها بقايا حيّة يمكن مواءمتها مع أنماط أسماء كنعانية أقدم ومع الجغرافيا الأثرية للاستيطان.
الاستمرارية الجينية في بلاد الشام
وتقدّم الأبحاث الجينية الحديثة خطًا مستقلًا من الأدلة على أن سكان المنطقة ليسوا مجموعات مهاجرة حديثًا. فقد أظهرت دراسات التسلسل الكامل للجينوم لرفات كنعانية من العصر البرونزي، ولا سيما من صيدا على الساحل الشامي، أن سكان بلاد الشام اليوم يستمدون ما لا يقل عن ثمانين بالمئة من أصولهم من هذه المجموعات الكنعانية البرونزية، مع امتزاج إضافي على مدى آلاف السنين. كما تؤكد تحليلات جينومية حديثة، تشمل رفاتًا من جنوب بلاد الشام، أن الفلسطينيين الحديثين وغيرهم من الناطقين بالعربية في بلاد الشام يحتفظون بنسبة عالية جدًا من أصولهم من سكان العصر البرونزي للمنطقة. ولا تعرف هذه الدراسات اسم “الزمَاعِرة”، لكنها تصف الحقل الديموغرافي الأساسي الذي تعيش فيه مثل هذه القبائل، وهو حقل استمرارية وليس استبدالًا. وإضافة إلى ذلك، تنقض هذه النتائج مزاعم الصهيونية حول “اختفاء السكان”، كما تنقض مزاعم الخليج حول “استبدال العرب”، لأنها تُظهر أن البنية السكانية الأساسية لبلاد الشام بقيت مستقرة خلال انهيار العصر البرونزي، والإدارة الفارسية، والحكم الروماني، والفترة الإسلامية المبكرة.
التحفّظ العلمي والتفسير القانوني للشعوب الأصلية
إن اللغة العلمية هنا متحفظة؛ فهي تتحدث عن “أصول مرتبطة بالكنعانيين” وعن “استمرارية جوهرية” بدلًا من التطابق الكامل. وهذا التحفظ مهم ويجب عكسه في الحُجّة القانونية الفلسطينية الخاصة بالشعوب الأصلية. ولغاية “ملف الزمَاعِرة”، فإن الادعاء ليس أنك تستطيع تحليل الحمض النووي لأحد أبناء حلحول وتحصل على شهادة مخبرية تقول “مئة بالمئة زِماري”. بل الادعاء أن سكان الإقليم متصلون اتصالًا واضحًا بسكان كنعان في العصر البرونزي، وأن حلحول نفسها بلدة جبلية قديمة موثّقة في مصادر تمتد إلى العصر الحديدي، وأن داخل هذا الامتداد السكاني المستمر توجد قبائل تحمل أسماء وتقاليد داخلية تشير بوضوح إلى أجداد كنعانيين. وفي هذا السياق، فإن وصف الزمَاعِرة بأنهم قبيلة كنعانية من مرتفعات الخليل ليس قفزة أسطورية، بل وصف قائم على الأدلة مؤسس على الأسماء والأرض وتاريخ السكان.
الأثر على أسطورة الهجرة الإسماعيلية
وتقوّض هذه الصورة العلمية أيضًا السردية التي تزعم أن الفلسطينيين هم في الأصل “عرب إسماعيليون قادمون من الصحراء” وصلوا بعد ظهور الإسلام. فاستمرارية الأصول الجينية من كنعانيي العصر البرونزي إلى سكان بلاد الشام اليوم تعني أن الناطقين بالعربية في فلسطين المحتلة، بما في ذلك داخل دولة الاحتلال، وغرب الأردن، ولبنان بأكمله، وجنوب سوريا وساحلها، هم في الجوهر الديموغرافي العميق السكان أنفسهم الذين تظهر مدنهم وقرى جبالهم في سجلات العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي. وقد جلبت الفتوحات العربية والتوسعات الإسلامية طبقات جديدة وتغيرات ثقافية، لكنها لم تُلغِ السكان الكنعانيين الأصليين. كما تُظهر أن سكان الخليج أنفسهم يحملون مكوّنًا قويًا من أصول شامية، ما يعقّد أي رواية تبسيطية تزعم أن “الخليج أرسل العرب ليستوطنوا فلسطين”، لأن حركة الهجرة تاريخيًا كثيرًا ما كانت بالعكس.
وتقوّض هذه الصورة العلمية أيضًا السردية التي تزعم أن الفلسطينيين هم في الأصل “عرب إسماعيليون قادمون من الصحراء” وصلوا بعد ظهور الإسلام. فاستمرارية الأصول الجينية من كنعانيي العصر البرونزي إلى سكان بلاد الشام اليوم تعني أن الناطقين بالعربية في فلسطين المحتلة، بما في ذلك داخل دولة الاحتلال، وغرب الأردن، ولبنان بأكمله، وجنوب سوريا وساحلها، هم في الجوهر الديموغرافي العميق السكان أنفسهم الذين تظهر مدنهم وقرى جبالهم في سجلات العصر البرونزي المتأخر والعصر الحديدي. وقد جلبت الفتوحات العربية والتوسعات الإسلامية طبقات جديدة وتغيرات ثقافية، لكنها لم تُلغِ السكان الكنعانيين الأصليين. كما تُظهر أن سكان الخليج أنفسهم يحملون مكوّنًا قويًا من أصول شامية، ما يعقّد أي رواية تبسيطية تزعم أن “الخليج أرسل العرب ليستوطنوا فلسطين”، لأن حركة الهجرة تاريخيًا كثيرًا ما كانت بالعكس.
الاستخدامات السياسية للأنساب والمكانة القانونية للشعوب الأصلية
تظهر قبيلة الزمَاعِرة في عدد من السجلات المتداخلة في آن واحد. فهي تُحصى في سجلات التعداد والسجلات البلدية بوصفها جزءًا من سكان حلحول، وتمتلك وتورّث أرضًا يمكن تتبعها عبر صكوك عثمانية، وتنظم العمل الجماعي تحت اسم القبيلة، وتظهر في التقارير الإخبارية والفعاليات السياسية، بما في ذلك بيانات دعم القيادة الفلسطينية في الداخل والشتات. وكحال كثير من قبائل الممر الفلسطيني الجنوبي، فهي تقف في الوقت نفسه داخل مشروع وطني حديث وداخل نظام قبلي أقدم، وهو ما يشدّها أحيانًا في اتجاهات متعددة.
أنظمة المحو الخليجية والصهيونية
يظهر سوء تصنيفهم ضمن خانة “العرب” بطريقة ملموسة هنا. ففي الدبلوماسية الدولية، يُعالَج الملف الفلسطيني غالبًا عبر لجان ومجالس تهيمن عليها أنظمة الخليج التي تتحدث باسم نسب إسماعيلي مشترك و“أمة عربية”. وفي هذا الإطار، يُتوقَّع من قبيلة مثل الزمَاعِرة أن تقبل بأن جدّها الكنعاني زمعر أقل شأنًا من خطاب “العائلة العربية” الأوسع. ويُعامَل اسم القبيلة بوصفه فلكلورًا، بينما تُعامَل هويتهم الإسماعيلية المزعومة بوصفها حقيقة سياسية. وهذا قلب كامل للواقع.
إن النسب الكنعاني لقبيلة الزمَاعِرة هو سلسلة نسب راسخة في سجلات الأرض التوراتية القديمة، وفي الذاكرة التوراتية الحيّة، وفي الأدلة العلمية على استمرارية سكانية غير منقطعة عبر الأرض المعروفة باسم فلسطين لأكثر من أربعة آلاف سنة. ويربط هذا النسب القبائل الفلسطينية الأصلية، بما في ذلك قبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق، مباشرة بكنعان، بدلًا من الأنساب الإبراهيمية المصطنعة التي تصنّف الفلسطينيين زورًا كأبناء لإسماعيل وتمنح الغزاة الأوروبيين صفة أبناء يعقوب/إسرائيل.
وعلى النقيض من ذلك، يعمل النظام الإمبراطوري البريطاني ومشروعه الصهيوني المسمى “الوطن القومي اليهودي”، أي الأساس الذي قامت عليه دولة الاحتلال، جنبًا إلى جنب مع سردية مجلس التعاون الخليجي الإسماعيلية pan-Arab لبناء احتيال كتابي في القرن العشرين. وهو إطار سياسي إجرامي منسَّق يساهم في الإبادة الجماعية والإبادة الثقافية لهوية الشعب الفلسطيني على أرضه الأصلية، ويثير مخاوف جدّية في نطاق القانون الدولي. وهذه الأطر ترفع من نفسها إلى مستوى الوريث الحصري والمرجع النهائي للسردية التوراتية، بينما ترتكب عن عمد الإبادة الجماعية والإبادة الثقافية لاستبعاد أبناء الأرض الأصليين، وتشويه سمعتهم، وإسكاتهم. هؤلاء هم الناس الذين يحملون الذاكرة التوراتية، ومعها العمق النسبي والأرضي والتاريخي الذي يمكّنهم ليس فقط من كشف الخداع والاحتيال، بل أيضًا من تقديم قراءة جديدة ونقدية للنصوص القديمة.
الاتفاقات الإبراهيمية برعاية أمريكية وهرمية “العائلة الإبراهيمية”
تمدّد “الاتفاقات الإبراهيمية” هذا الاحتيال إلى المجال الاستراتيجي الأمريكي عبر دمج الفلسطينيين في هرم مُصطنَع لـ “العائلة الإبراهيمية” يضعهم أيضًا في موقع التابعين الإسماعيليين الصغار بدلًا من أصحاب الأرض الأصليين. وبمجرد أن يُطبَّع هذا الاحتيال في الأنساب، يمكن لواشنطن ودول الخليج أن تتعامل مع الفلسطينيين بوصفهم فرعًا أدنى في شجرة نَسَب متخيَّلة تخصّهم هم. شعب يُراد تأديبه، وتهجيره، والتفاوض على مصيره، أو إبادته تحت خطاب “سلطة العائلة”، بدلًا من الاعتراف به بوصفه أمة أصلية لها حقوق إقليمية أصيلة غير قابلة للتصرف. وهذا الاستهداف يضرب مباشرة الزمَاعِرة وسائر القبائل الفلسطينية الأصليّة. فهو يقطع ما لا يقل عن أربعة آلاف سنة من التاريخ الموثَّق الخارج من مهد الحضارة، من إحدى أقدم الحضارات في العالم، ويستبدل هويتهم السلفية بنسب مُختلَق مصمَّم لإبقاء القبيلة تحت وصاية دول أجنبية بدلًا من خضوعها لقانونها القبلي الأصلي الخاص بها.
بالنسبة لمنصة قبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق، يبدأ التصحيح من اعتبار قبائل مثل الزمَاعِرة قبائل أصلية أساسية لا هامشية. فأسماء بيوتهم، وقطع أراضيهم، وقيودهم في الدفاتر العثمانية، وشهداؤهم وأسراهم، ورواياتهم الشفوية، جميعها تُعامَل بوصفها مصادر أولوية للقانون والهوية. وعندما تتناقض سردية دولة أجنبية مع هذه المعطيات، يكون عبء الإثبات على السردية، لا على الناس. إن قانون الممر نفسه، قانون الشعوب الأصلية، محفوظ في قصص العهود مثل عهد حسّنات أبو مُعَيلِق–إبراهيم في بئر السبع وتجديده في أزمنة لاحقة مع النبي موسى، ويعترف بالقبائل من خلال تجذّرها في الأرض ووفائها بعهودها، لا من خلال التصنيفات التي تُطلِقها عليها عواصم بعيدة فتسمّيهم “عربًا” أو “إسماعيليين”. وفي هذا القانون، فإن قبيلة حرثت وحمت رُبعها لآلاف السنين، وحافظت على اسمها، ووفّت بتحالفاتها، تمتلك مكانة لا يمكن لأي احتيال في الأنساب أن يمحوها.
إن ملف الزمَاعِرة، المبني بعناية من أنساب القبيلة، ومشاريع التاريخ المحلي، والعمل العلمي الحديث، له وظيفة مزدوجة. داخليًا، يمنح القبيلة أرشيفًا منظمًا وقابلاً للتدقيق يمكن استخدامه في المحاكم واللجان والأعمال الأكاديمية لإثبات استمرارية الوجود وملكية الأرض في أرنبا وحلحول. وخارجيًا، يشكّل دراسة حالة تكشف العنف الكامن في عبارة “الإخوة العرب”. فعندما يتحدث أحد دول مجلس التعاون الخليجي باسم فلسطين وكأن الفلسطينيين “أشقاء إسماعيليون صغار” له، يقف ملف الزمَاعِرة ردًا هادئًا لكنه حادّ. هذه قبيلة فلسطينية أصلية من مرتفعات الخليل، لها جدّ كنعاني خاص بها، وربع خاص بها، وقانون خاص بها. وليست فرعًا زبونيًا تابعًا لبيت خليجي.
ويمتد الأثر الأوسع إلى جميع قبائل الممر الجنوبي. فالمنهج نفسه المُستخدَم هنا، أي أخذ اسم قبيلة ما، ورسم بنيتها الداخلية، وربطها بسجلات الأرض وجغرافيا الاستيطان العميقة في الزمن، ووضعها داخل الصورة العلمية لاستمرارية بلاد الشام، يمكن تطبيقه على قبيلة حسّنات أبو مُعَيلِق، وعلى البراهمية، وعلى عائلات بيت نتّيف، وعلى مجموعات أخرى منحدرة من الكنعانيين في أنحاء فلسطين. وفي كل حالة، ستكون النتيجة واحدة: صورة دقيقة قائمة على الأدلة لاستمرارية الشعوب الأصلية ترفض الإخفاء القسري وتقاومه.
الإعلان الأممي لحقوق الشعوب الأصلية والهوية الكنعانية
وفقًا لإعلان الأمم المتحدة لحقوق الشعوب الأصلية، تُحقّق قبيلة الزمَاعِرة جميع المعايير الأساسية لمكانة الشعوب الأصلية. فهي تُعرّف نفسها قبيلة مميزة، وتُعترف بها كذلك القبائل المجاورة، وتحافظ على ارتباط متواصل بإقليم محدد بوضوح في أرنبا، وتحتفظ بالمؤسسات الاجتماعية السابقة لقيام الدول، وبسلاسل النسب، والقانون العرفي، والأنساب التي تسبق نشوء الدول الحديثة في المنطقة بزمن طويل. وعند تطبيق هذا الإطار كما يجب، لا تقف الزمَاعِرة بوصفها “عربًا” في عمومهم، بل بوصفها شعبًا كنعانيًّا أصيلاً من مرتفعات الخليل. وهذه نقطة شديدة الأهمية؛ فالشعوب المعترف بها أصلية تمتلك حقوقًا محددة في الأرض والثقافة والتمثيل الذاتي. وعندما يُختزل الفلسطينيون إلى “عرب” في عمومهم، تصبح تلك الحقوق أصعب في المطالبة لأن أي متحدّث بالعربية يمكن وضعه فوقهم بوصفه ممثلًا عنهم. وعندما تُعاد قبائل مثل الزمَاعِرة إلى موقعها الطبيعي بوصفها قبائل أصلية، فإنها تقف بصفتها أصحاب حق في الحماية وتقرير المصير، لا بوصفها موضوعًا لوصاية الدول الأجنبية. وأخيرًا، فإن الاعتراف بالسيادة القبلية لا يقوم على الانفصال أو تأسيس دولة، بل يقوم على استعادة السلطة الأصلية على الأنساب، وذاكرة الأرض، واستمرارية الثقافة. وهذه هي الأسس نفسها التي تستهدفها السرديات الصهيونية والخليجية عبر أنسابها المصطنعة، لأن السيطرة على النسب هي الآلية الجوهرية المستخدمة لمحاولة محو فلسطين، وهويتها، وتراث أبناء كنعان.
الخاتمة
لأغراض أكاديمية وقانونية، يجب تصنيف الزمَاعِرة في حلحول بوصفهم قبيلة فلسطينية كنعانية، لا قبيلة “عربية فلسطينية”، فهم جزء من الشعب الفلسطيني الأوسع، لكنهم أيضًا وحدة أصلية مميزة داخل مرتفعات الخليل. وتُظهر قضيتهم كيف يمكن للمعرفة القبلية الذاتية، حين تُوثّق بدقة، أن تُصحّح أخطاء التصنيف الاستعماري وتلك التي تنتجها الدول الحديثة. وهي تُبيّن أن الناس قد يتحدثون العربية دون أن يصبحوا إسماعيليين بالضرورة، تمامًا كما قد يتحدث الناس الإنجليزية دون أن يصبحوا رعايا إنجليز. وتُظهر أيضًا أنه في ممر بئر السبع–غزة–الخليل، فإن الخط الممتد من كنعان هو سلسلة قابلة للتتبع من الأسماء والبيوت والقبور. من زمعر إلى الزمَاعِرة، من مدرّجات أرنبا إلى الحاضر، تحت الاحتلال ولكن ثابتون في ديارهم. وهذا التقرير، المُركّز على قبيلة واحدة في الجهة الغربية من حلحول، ليس إلا خطوة في مسار الاستعادة.





